البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
الصفحة الرئيسة » القرآن الكريم » تفسير الطبرى
السورة   الآية   الصفحة    
     
 



الأنعام

{111} وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد , اِيئَسْ مِنْ فَلَاح هَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام . الْقَائِلِينَ لَك : لَئِنْ جِئْتنَا بِآيَةٍ لَنُؤْمِنَنَّ لَك , فَإِنَّنَا لَوْ { نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة } حَتَّى يَرَوْهَا عِيَانًا { وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى } بِإِحْيَائِنَا إِيَّاهُمْ , حُجَّة لَك وَدَلَالَة عَلَى نُبُوَّتك , وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّك مُحِقّ فِيمَا تَقُول , وَأَنَّ مَا جِئْتهمْ بِهِ حَقٌّ مِنْ عِنْد اللَّه , { وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْء } فَجَعَلْنَاهُمْ لَك { قُبُلًا } ; مَا آمَنُوا وَلَا صَدَّقُوك , وَلَا اِتَّبَعُوك ; { إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه } ذَلِكَ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ . { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } يَقُول : وَلَكِنَّ أَكْثَر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَجْهَلُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , يَحْسَبُونَ أَنَّ الْإِيمَان إِلَيْهِمْ وَالْكُفْر بِأَيْدِيهِمْ , مَتَى شَاءُوا آمَنُوا وَمَتَى شَاءُوا كَفَرُوا . وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , ذَلِكَ بِيَدِي , لَا يُؤْمِن مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ هَدَيْته لَهُ فَوَفَّقْته , وَلَا يَكْفُر إِلَّا مَنْ خَذَلْته عَنْ الرُّشْد فَأَضْلَلْته . وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ نَزَلَ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10705 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ سَأَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَة , فَقَالَ : قُلْ يَا مُحَمَّد إِنَّمَا الْآيَات عِنْد اللَّه , وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ . وَنَزَلَ فِيهِمْ : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْء قُبُلًا } . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا قِيلَ : { مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا } يُرَاد بِهِ أَهْل الشَّقَاء , وَقِيلَ : { إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه } فَاسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنْ قَوْله : { لِيُؤْمِنُوا } يُرَاد بِهِ أَهْل الْإِيمَان وَالسَّعَادَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10706 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْء قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا } وَهُمْ أَهْل الشَّقَاء . ثُمَّ قَالَ : { إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه } وَهُمْ أَهْل السَّعَادَة الَّذِينَ سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمه أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْإِيمَان . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل اِبْن عَبَّاس ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ : { مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا } الْقَوْم الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي قَوْله : { وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَة لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا } 6 109 . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون الَّذِينَ سَأَلُوا الْآيَة كَانُوا هُمْ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ قَالَ اِبْن جُرَيْج : إِنَّهُمْ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَة ; وَلَكِنْ لَا دَلَالَة فِي ظَاهِر التَّنْزِيل عَلَى ذَلِكَ وَلَا خَبَر تَقُوم بِهِ حُجَّة بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ . وَالْخَبَر مِنْ اللَّه خَارِج مَخْرَج الْعُمُوم , فَالْقَوْل بِأَنَّ ذَلِكَ عُنِيَ بِهِ أَهْل الشَّقَاء مِنْهُمْ أَوْلَى لِمَا وَصَفْنَا . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْء قُبُلًا } فَقَرَأَتْهُ قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة : " قِبَلًا " بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْبَاء , بِمَعْنَى مُعَايَنَة , مِنْ قَوْل الْقَائِل : لَقِيته قِبَلًا : أَيْ مُعَايَنَة وَمُجَاهَرَة . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ : { وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْء قُبُلًا } بِضَمِّ الْقَاف وَالْبَاء . وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ كَانَ لَهُ مِنْ التَّأْوِيل ثَلَاثَة أَوْجُه : أَحَدهَا أَنْ يَكُون الْقُبُل : جَمَعَ قَبِيل كَالرُّغُفِ الَّتِي هِيَ جَمْع رَغِيف , وَالْقُضُب الَّتِي هِيَ جَمْع قَضِيب , وَيَكُون الْقُبُل : الضُّمَنَاء وَالْكُفَلَاء ; وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , كَانَ تَأْوِيل الْكَلَام : وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْء كُفَلَاء يَكْفُلُونَ لَهُمْ بِأَنَّ الَّذِي نَعِدُهُمْ عَلَى إِيمَانهمْ بِاَللَّهِ إِنْ آمَنُوا أَوْ نُوعِدهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ إِنْ هَلَكُوا عَلَى كُفْرِهِمْ , مَا آمَنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه . وَالْوَجْه الْآخَر : أَنْ يَكُون " الْقُبُل " بِمَعْنَى الْمُقَابَلَة وَالْمُوَاجَهَة , مِنْ قَوْل الْقَائِل : أَتَيْتُك قُبُلًا لَا دُبُرًا , إِذَا أَتَاهُ مِنْ قِبَل وَجْهه . وَالْوَجْه الثَّالِث : أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْء قَبِيلَة قَبِيلَة , صِنْفًا صِنْفًا , وَجَمَاعَة جَمَاعَة . فَيَكُون الْقُبُل حِينَئِذٍ جَمْع قَبِيل الَّذِي هُوَ جَمْع قَبِيلَة , فَيَكُون الْقُبُل جَمْع الْجَمْع . وَبِكُلِّ ذَلِكَ قَدْ قَالَتْ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : مُعَايَنَة . 10707 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْء قُبُلًا } يَقُول : مُعَايَنَة . 10708 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْء قُبُلًا } حَتَّى يُعَايِنُوا ذَلِكَ مُعَايَنَة ; { مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه } . ذِكْر مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : قَبِيلَة قَبِيلَة صِنْفًا صِنْفًا . 10709 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَزِيد , مَنْ قَرَأَ : { قُبُلًا } مَعْنَاهُ : قَبِيلًا قَبِيلًا . 10710 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : { قُبُلًا } أَفْوَاجًا , قَبِيلًا قَبِيلًا . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن يُونُس , عَنْ أَبِي خَيْثَمَة , قَالَ : ثَنَا أَبَان بْن تَغْلِب , قَالَ : ثَنِي طَلْحَة أَنَّ مُجَاهِدًا قَرَأَ فِي الْأَنْعَام : { كُلّ شَيْء قُبُلًا } قَالَ : قَبَائِل , قَبِيلًا وَقَبِيلًا وَقَبِيلًا . ذِكْر مَنْ قَالَ قَالَ : مَعْنَاهُ : مُقَابَلَة . 10711 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا } يَقُول : لَوْ اِسْتَقْبَلَهُمْ ذَلِكَ كُلّه , لَمْ يُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه . 10712 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْء قُبُلًا } قَالَ : حُشِرُوا إِلَيْهِمْ جَمِيعًا , فَقَابَلُوهُمْ وَوَاجَهُوهُمْ . 10713 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَزِيد , قَرَأَ عِيسَى : { قُبُلًا } وَمَعْنَاهُ : عِيَانًا . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدنَا , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْء قُبُلًا } بِضَمِّ الْقَاف وَالْبَاء ; لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ اِحْتِمَال ذَلِكَ الْأَوْجُه الَّتِي بَيَّنَّا مِنْ الْمَعَانِي , وَأَنَّ مَعْنَى الْقِبَل دَاخِل فِيهِ , وَغَيْر دَاخِل فِي الْقِبَل مَعَانِي الْقُبُل . وَأَمَّا قَوْله : { وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ } فَإِنَّ مَعَتَاهُ : وَجَمَعْنَا عَلَيْهِمْ , وَسُقْنَا إِلَيْهِمْ .

{112} وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَلِّيه بِذَلِكَ عَمَّا لَقِيَ مِنْ كَفَرَة قَوْمه فِي ذَات اللَّه , وَحَاثًّا لَهُ عَلَى الصَّبْر عَلَى مَا نَالَ فِيهِ : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا } يَقُول : وَكَمَا اِبْتَلَيْنَاك يَا مُحَمَّد بِأَنْ جَعَلْنَا لَك مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك أَعْدَاء شَيَاطِين { يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل } لِيَصُدُّوهُمْ بِمُجَادَلَتِهِمْ إِيَّاكَ بِذَلِكَ عَنْ اِتِّبَاعِك وَالْإِيمَان بِك وَبِمَا جِئْتهمْ لَهُ مِنْ عِنْد رَبّك ; كَذَلِكَ اِبْتَلَيْنَا مَنْ قَبْلك مِنْ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل , بِأَنْ جَعَلْنَا لَهُمْ أَعْدَاء مِنْ قَوْمهمْ يُؤْذُونَهُمْ بِالْجِدَالِ وَالْخُصُومَات , يَقُول : فَهَذَا الَّذِي اِمْتَحَنْتُك بِهِ لَمْ تُخْصَصْ بِهِ مِنْ بَيْنهمْ وَحْدك , بَلْ قَدْ عَمَّمْتهمْ بِذَلِكَ مَعَك لِأَبْتَلِيَهُمْ وَأَخْتَبِرهُمْ مَعَ قُدْرَتِي عَلَى مَنْع مَنْ آذَاهُمْ مِنْ إِيذَائِهِمْ , فَلَمْ أَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا لِأَعْرِفَ أُولِي الْعَزْم مِنْهُمْ مِنْ غَيْرهمْ ; يَقُول : فَاصْبِرْ أَنْتَ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْم مِنْ الرُّسُل . وَأَمَّا شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ فَإِنَّهُمْ مَرَدَتهمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا الْفِعْل الَّذِي مِنْهُ بُنِيَ هَذَا الِاسْم بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . وَنَصّ الْعَدُوّ وَالشَّيَاطِين بِقَوْلِهِ : { جَعَلْنَا } . وَأَمَّا قَوْله : { يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَنَّهُ يُلْقِي الْمُلْقِي مِنْهُمْ الْقَوْل الَّذِي زَيَّنَّهُ وَحَسَّنَهُ بِالْبَاطِلِ إِلَى صَاحِبه , لِيَغْتَرَّ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ فَيَضِلّ عَنْ سَبِيل اللَّه . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : شَيَاطِين الْإِنْس الَّتِي مَعَ الْإِنْس , وَشَيَاطِين الْجِنّ الَّتِي مَعَ الْجِنّ ; وَلَيْسَ لِلْإِنْسِ شَيَاطِين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10714 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَصَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبّك مَا فَعَلُوهُ } أَمَّا شَيَاطِين الْإِنْس : فَالشَّيَاطِين الَّتِي تُضِلّ الْإِنْس , وَشَيَاطِين الْجِنّ الَّذِينَ يُضِلُّونَ الْجِنّ ; يَلْتَقِيَانِ فَيَقُول كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا : إِنِّي أَضْلَلْت صَاحِبِي بِكَذَا وَكَذَا , وَأَضْلَلْت أَنْتَ صَاحِبك بِكَذَا وَكَذَا , فَيُعْلِم بَعْضهمْ بَعْضًا . 10715 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو نُعَيْم , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق , عَنْ عِكْرِمَة : { شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } قَالَ : لَيْسَ فِي الْإِنْس شَيَاطِين ; وَلَكِنَّ شَيَاطِين الْجِنّ يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِين الْإِنْس , وَشَيَاطِين الْإِنْس يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِين الْجِنّ . 10716 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ : لِلْإِنْسَانِ شَيْطَان , وَلِلْجِنِّيِّ شَيْطَان , فَيَلْقَى شَيْطَان الْإِنْس شَيْطَان الْجِنّ , فَيُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : جَعَلَ عِكْرِمَة وَالسُّدِّيّ فِي تَأْوِيلهمَا هَذَا الَّذِي ذَكَرْت عَنْهُمَا عَدُوّ الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي قَوْله : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا } أَوْلَاد إِبْلِيس دُون أَوْلَاد آدَم وَدُون الْجِنّ , وَجَعَلَ الْمَوْصُوفِينَ بِأَنَّ بَعْضهمْ يُوحِي إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا , وَلَد إِبْلِيس , وَأَنَّ مَنْ مَعَ اِبْن آدَم مِنْ وَلَد إِبْلِيس يُوحِي إِلَى مَنْ مَعَ الْجِنّ مِنْ وَلَده زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا . وَلَيْسَ لِهَذَا التَّأْوِيل وَجْه مَفْهُوم , لِأَنَّ اللَّه جَعَلَ إِبْلِيس وَوَلَده أَعْدَاء اِبْن آدَم , فَكُلّ وَلَده لِكُلِّ وَلَده عَدُوّ . وَقَدْ خَصَّ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة الْخَبَر عَنْ الْأَنْبِيَاء أَنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ الشَّيَاطِين أَعْدَاء , فَلَوْ كَانَ مَعْنِيًّا بِذَلِكَ الشَّيَاطِين الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ السُّدِّيّ , الَّذِينَ هُمْ وَلَد إِبْلِيس , لَمْ يَكُنْ لِخُصُوصِ الْأَنْبِيَاء بِالْخَبَرِ عَنْهُمْ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ الشَّيَاطِين أَعْدَاء وَجْه . وَقَدْ جَعَلَ مِنْ ذَلِكَ لِأَعْدَى أَعْدَائِهِ مِثْل الَّذِي جَعَلَ لَهُمْ , وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَاَلَّذِي قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَ مَرَدَة الْإِنْس وَالْجِنّ لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْضٍ مِنْ الْقَوْل مَا يُؤْذِيهِمْ بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , جَاءَ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 10717 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد , عَنْ حُمَيْد بْن هِلَال , قَالَ : ثَنِي رَجُل مِنْ أَهْل دِمَشْق , عَنْ عَوْف بْن مَالِك , عَنْ أَبِي ذَرّ : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ , هَلْ تَعَوَّذْت بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ ؟ " قَالَ : قُلْت : يَا رَسُول اللَّه , هَلْ لِلْأُنْسِ مِنْ شَيَاطِين ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . 10718 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أَيُّوب وَغَيْره مِنْ الْمَشْيَخَة , عَنْ اِبْن عَائِذ , عَنْ أَبِي ذَرّ , أَنَّهُ قَالَ : أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِس قَدْ أَطَالَ فِيهِ الْجُلُوس , قَالَ : فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرّ , هَلْ صَلَّيْت ؟ " قَالَ : قُلْت : لَا يَا رَسُول اللَّه ! قَالَ : " قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ! " قَالَ : ثُمَّ جِئْت فَجَلَسْت إِلَيْهِ , فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرّ هَلْ تَعَوَّذْت بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ ؟ " قَالَ : قُلْت : يَا رَسُول اللَّه وَهَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِين ؟ قَالَ : " نَعَمْ , شَرّ مِنْ شَيَاطِين الْجِنّ " . 10719 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا ذَرّ قَامَ يَوْمًا يُصَلِّي , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَعَوَّذْ يَا أَبَا ذَرّ مِنْ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ ! " فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه : أَوَإِنَّ مِنْ الْإِنْس شَيَاطِين ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ إِنَّهُ إِخْبَار مِنْ اللَّه أَنَّ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10720 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } قَالَ : مِنْ الْجِنّ شَيَاطِين , وَمِنْ الْإِنْس شَيَاطِين يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض . قَالَ قَتَادَة : بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا ذَرّ كَانَ يَوْمًا يُصَلِّي , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ : " تَعَوَّذْ يَا أَبَا ذَرّ مِنْ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ ! " فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه , أَوَإِنَّ مِنْ الْإِنْس شَيَاطِين ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ " . - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } . . . الْآيَة , ذَكَرَ لَنَا أَبَا ذَرّ قَامَ ذَات يَوْم يُصَلِّي , فَقَالَ لَهُ نَبِيّ اللَّه : " تَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَيَاطِين الْجِنّ وَالْإِنْس ! " فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه أَوَلِلْإِنْسِ شَيَاطِين كَشَيَاطِين الْجِنّ ؟ قَالَ : " نَعَمْ , أَوَكَذَبْت عَلَيْهِ ؟ " . 10721 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ } فَقَالَ : كُفَّار الْجِنّ شَيَاطِين يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِين الْإِنْس كُفَّار الْإِنْس زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا . وَأَمَّا قَوْله : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } فَإِنَّهُ الْمُزَيِّن بِالْبَاطِلِ كَمَا وَصَفْت قَبْل , يُقَال مِنْهُ : زَخْرَفَ كَلَامه وَشَهَادَته إِذَا حَسَّنَ ذَلِكَ بِالْبَاطِلِ وَوَشَّاهُ . كَمَا : 10722 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو نُعَيْم , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ : تَزْيِين الْبَاطِل بِالْأَلْسِنَةِ . 0723 1 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا الزُّخْرُف , فَزَخْرَفُوهُ : زَيَّنُوهُ . 10724 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ : تَزْيِين الْبَاطِل بِالْأَلْسِنَةِ . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10725 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } يَقُول : حَسَّنَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ الْقَوْل لِيَتَّبِعُوهُمْ فِي فِتْنَتِهِمْ . 10726 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } قَالَ : الزُّخْرُف : الْمُزَيِّن , حَيْثُ زَيَّنَّ لَهُمْ هَذَا الْغُرُور , كَمَا زَيَّنَ إِبْلِيس لِآدَم مَا جَاءَهُ بِهِ وَقَاسَمَهُ إِنَّهُ لَمِنْ النَّاصِحِينَ . وَقَرَأَ : { وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُمْ } 41 25 قَالَ : ذَلِكَ الزُّخْرُف . وَأَمَّا الْغُرُور : فَإِنَّهُ مَا غَرَّ الْإِنْسَان فَخَدَعَهُ فَصَدَّهُ عَنْ الصَّوَاب إِلَى الْخَطَأ وَمِنْ الْحَقّ إِلَى الْبَاطِل . وَهُوَ مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : غَرَرْت فُلَانًا بِكَذَا وَكَذَا , فَأَنَا أَغِرُّهُ غُرُورًا وَغَرًّا . كَاَلَّذِي : 10727 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { غُرُورًا } قَالَ : يَغِرُّونَ بِهِ النَّاس وَالْجِنّ .

{112} وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ شَاءَ رَبّك مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرهُ : وَلَوْ شِئْت يَا مُحَمَّد أَنْ يُؤْمِن الَّذِينَ كَانُوا لِأَنْبِيَائِي أَعْدَاء مِنْ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ فَلَا يَنَالهُمْ مَكْرهمْ وَيَأْمَنُوا غَوَائِلهمْ وَأَذَاهُمْ , فَعَلْت ذَلِكَ ; وَلَكِنِّي لَمْ أَشَأْ ذَلِكَ لِأَبْتَلِيَ بَعْضهمْ بِبَعْضٍ فَيَسْتَحِقّ كُلّ فَرِيق مِنْهُمْ مَا سَبَقَ لَهُ فِي الْكِتَاب السَّابِق . { فَذَرْهُمْ } يَقُول : فَدَعْهُمْ , يَعْنِي الشَّيَاطِين الَّذِينَ يُجَادِلُونَك بِالْبَاطِلِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك وَيُخَاصِمُونَك بِمَا يُوحِي إِلَيْهِمْ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ , { وَمَا يَفْتَرُونَ } يَعْنِي : وَمَا يَخْتَلِقُونَ مِنْ إِفْك وَزُور , يَقُول لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِصْبِرْ عَلَيْهِمْ فَإِنِّي مِنْ وَرَاء عِقَابهمْ عَلَى اِفْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّه وَاخْتِلَافهمْ عَلَيْهِ الْكَذِب وَالزُّور .

{113} وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَة الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل غُرُورًا } { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يُوحِي بَعْض هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِين إِلَى بَعْض الْمُزَيَّن مِنْ الْقَوْل بِالْبَاطِلِ , لِيَغِرُّوا بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَتْبَاع الْأَنْبِيَاء , فَيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينهمْ ; { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَة الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ } يَقُول : وَلِتَمِيلَ إِلَيْهِ قُلُوب الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ . وَهُوَ مِنْ صَغَوْت تَصْغَى وَتَصْغُو , وَالتَّنْزِيل جَاءَ بِـ تَصْغَى صَغْوًا وَصُغُوًّا , وَبَعْض الْعَرَب يَقُول صَغَيْت بِالْيَاءِ ; حُكِيَ عَنْ بَعْض بَنِي أَسَد : صَغَيْت إِلَى حَدِيثه , فَأَنَا أَصْغَى صُغِيًّا بِالْيَاءِ , وَذَلِكَ إِذَا مِلْت , يُقَال : صَغْوِي مَعَك : إِذَا كَانَ هَوَاك مَعَهُ وَمَيْلك , مِثْل قَوْلهمْ : ضِلَعِي مَعَك , وَيُقَال : أَصْغَيْت الْإِنَاء : إِذَا أَمَلْته لِيَجْتَمِع مَا فِيهِ ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : تَرَى السَّفِيهَ بِهِ عَنْ كُلّ مُحْكَمَة زَيْغٌ وَفِيهِ إِلَى التَّشْبِيه إِصْغَاءُ وَيُقَال لِلْقَمَرِ إِذَا مَالَ لِلْغُيُوبِ : صَغَا وَأَصْغَى . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10728 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلَى بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَة } يَقُول : تَزِيغ إِلَيْهِ أَفْئِدَة . - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَة الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ } قَالَ : لِتَمِيلَ . 10729 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَة الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ } يَقُول : تَمِيل إِلَيْهِ قُلُوب الْكُفَّار وَيُحِبُّونَهُ وَيَرْضَوْنَ بِهِ . 10730 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَة الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ } قَالَ : وَلِتَصْغَى : وَلِيَهْوُوا ذَلِكَ وَلِيَرْضَوْهُ , قَالَ : يَقُول الرَّجُل لِلْمَرْأَةِ : صَغَيْت إِلَيْهَا : هَوَيْتهَا .

{113} وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلِيَكْتَسِبُوا مِنْ الْأَعْمَال مَا هُمْ مُكْتَسِبُونَ . حُكِيَ عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا مِنْهَا : خَرَجَ يَقْتَرِف لِأَهْلِهِ , بِمَعْنَى يَكْسِب لَهُمْ , وَمِنْهُ قِيلَ : قَارَفَ فُلَان هَذَا الْأَمْر : إِذَا وَاقَعَهُ وَعَمِلَهُ . وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول : هُوَ التُّهْمَة وَالِادِّعَاء , يُقَال لِلرَّجُلِ : أَنْتَ قَرَفْتنِي : أَيْ اِتَّهَمْتنِي , وَيُقَال : بِئْسَمَا اِقْتَرَفْت لِنَفْسِك . وَقَالَ رُؤْبَة : أَعْيَا اِقْتِرَاف الْكَذِب الْمَقْرُوف تَقْوَى التَّقِيّ وَعِفَّة الْعَفِيف وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَلِيَقْتَرِفُوا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10731 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ } وَلِيَكْتَسِبُوا مَا هُمْ مُكْتَسِبُونَ . 10732 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ } قَالَ : لِيَعْمَلُوا مَا هُمْ عَامِلُونَ . 10733 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ } قَالَ : لِيَعْمَلُوا مَا هُمْ عَامِلُونَ .

{114} أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَغَيْر اللَّه أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْك الْكِتَاب مُفَصَّلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِاَللَّهِ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , الْقَائِلِينَ لَك كُفَّ عَنْ آلِهَتنَا وَنَكُفّ عَنْ إِلَهك : إِنَّ اللَّه قَدْ حَكَمَ عَلَيَّ بِذِكْرِ آلِهَتكُمْ بِمَا يَكُون صَدًّا عَنْ عِبَادَتهَا , { أَفَغَيْر اللَّه أَبْتَغِي حَكَمًا } أَيْ قُلْ : فَلَيْسَ لِي أَنْ أَتَعَدَّى حُكْمه وَأَتَجَاوَزهُ , لِأَنَّهُ لَا حَكَم أَعْدَل مِنْهُ وَلَا قَائِل أَصْدَق مِنْهُ . { وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَاب مُفَصَّلًا } يَعْنِي : الْقُرْآن ; مُفَصَّلًا , يَعْنِي مُبَيَّنًا فِيهِ الْحُكْم فِيمَا تَخْتَصِمُونَ فِيهِ مِنْ أَمْرِي وَأَمْركُمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى التَّفْصِيل فِيمَا مَضَى قَبْل .

{114} أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّل مِنْ رَبّك بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَن مِنْ الْمُمْتَرِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنْ أَنْكَرَ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِاَللَّهِ الْأَوْثَان مِنْ قَوْمك تَوْحِيد اللَّه , وَأَشْرَكُوا مَعَهُ الْأَنْدَاد , وَجَحَدُوا مَا أَنْزَلْته إِلَيْك , وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُون حَقًّا , وَكَذَّبُوا بِهِ . فَاَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب - وَهُوَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل - مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , { يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّل مِنْ رَبّك } يَعْنِي : الْقُرْآن وَمَا فِيهِ { بِالْحَقِّ } يَقُول : فَصْلًا بَيْن أَهْل الْحَقّ وَالْبَاطِل , يَدُلّ عَلَى صِدْق الصَّادِق فِي عِلْم اللَّه , وَكَذِب الْكَاذِب الْمُفْتَرِي عَلَيْهِ . { فَلَا تَكُونَن مِنْ الْمُمْتَرِينَ } يَقُول : فَلَا تَكُونَن يَا مُحَمَّد مِنْ الشَّاكِّينَ فِي حَقِّيَّة الْأَنْبَاء الَّتِي جَاءَتْك مِنْ اللَّه فِي هَذَا الْكِتَاب وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَهُ ; لِأَنَّ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّل مِنْ رَبّك بِالْحَقِّ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَا وَجْه قَوْله : { فَلَا تَكُونَن مِنْ الْمُمْتَرِينَ } بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته مَعَ الرِّوَايَة الْمَرْوِيَّة فِيهِ . وَقَدْ : 10734 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { فَلَا تَكُونَن مِنْ الْمُمْتَرِينَ } يَقُول : لَا تَكُونَن فِي شَكّ مِمَّا قَصَصْنَا عَلَيْك .

{115} وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّك صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّل لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكَمُلَتْ كَلِمَة رَبّك , يَعْنِي الْقُرْآن . سَمَّاهُ كَلِمَة كَمَا تَقُول الْعَرَب لِلْقَصِيدَةِ مِنْ الشَّعْر يَقُولهَا الشَّاعِر : هَذِهِ كَلِمَة فُلَان . { صِدْقًا وَعَدْلًا } يَقُول : كَمُلَتْ كَلِمَة رَبّك مِنْ الصِّدْق وَالْعَدْل ; وَالصِّدْق وَالْعَدْل نُصِبَا عَلَى التَّفْسِير لِلْكَلِمَةِ , كَمَا يُقَال : عِنْدِي عِشْرُونَ دِرْهَمًا . { لَا مُبَدِّل لِكَلِمَاتِهِ } يَقُول : لَا مُغَيِّر لِمَا أَخْبَرَ فِي كُتُبِهِ أَنَّهُ كَائِن مِنْ وُقُوعه فِي حِينِهِ وَأَجَله الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه أَنَّهُ وَاقِع فِيهِ . وَذَلِكَ نَظِير قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَام اللَّه قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّه مِنْ قَبْل } فَكَانَتْ إِرَادَتُهُمْ تَبْدِيل كَلَام اللَّه مَسْأَلَتَهُمْ نَبِيّ اللَّه أَنْ يَتْرُكَهُمْ يَحْضُرُونَ الْحَرْب مَعَهُ , وَقَوْلهمْ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ : { ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ } 48 15 بَعْد الْخَبَر الَّذِي كَانَ اللَّه أَخْبَرَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابه بِقَوْلِهِ : { فَإِنْ رَجَعَك اللَّهُ إِلَى طَائِفَة مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا } . . . الْآيَة 9 82 , فَحَاوَلُوا تَبْدِيل كَلَام اللَّه وَخَبَره بِأَنَّهُمْ لَنْ يَخْرُجُوا مَعَ نَبِيّ اللَّه فِي غَزَاة , وَلَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُ عَدُوًّا بِقَوْلِهِمْ لَهُمْ : { ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ } فَقَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا بِمَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُمْ ذَلِكَ كَلَام اللَّه وَخَبَره { قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّه مِنْ قَبْل } . فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : { لَا مُبَدِّل لِكَلِمَاتِهِ } إِنَّمَا هُوَ : لَا مُغَيِّر لِمَا أَخْبَرَ عَنْهُ مِنْ خَبَر أَنَّهُ كَائِن فَيَبْطُل مَجِيئُهُ وَكَوْنه وَوُقُوعه , عَلَى مَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَزِيد الْمُفْتَرَوْنَ فِي كُتُب اللَّه وَلَا يَنْقُصُونَ مِنْهَا ; وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا شَكَّ أَنَّهُمْ أَهْل كُتُب اللَّه الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ , وَقَدْ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ يُحَرِّفُونَ غَيْر الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا مُبَدِّل لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10735 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّل لِكَلِمَاتِهِ } يَقُول : صِدْقًا وَعَدْلًا فِيمَا حَكَمَ . وَأَمَّا قَوْله : { وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَاَللَّه السَّمِيع لِمَا يَقُول هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِاَللَّهِ , الْمُقْسِمُونَ بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ : لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَة لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ كَلَام خَلْقه , الْعَلِيم بِمَا تَئُول إِلَيْهِ أَيْمَانهمْ مِنْ بِرّ وَصِدْق وَكَذِب وَحِنْث وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُور عِبَاده .

{116} وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْض يُضِلُّوك عَنْ سَبِيل اللَّه إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُطِعْ هَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِاَللَّهِ الْأَنْدَاد يَا مُحَمَّد فِيمَا دَعَوْك إِلَيْهِ مِنْ أَكْل مَا ذَبَحُوا لِآلِهَتِهِمْ , وَأَهَلُّوا بِهِ لِغَيْرِ رَبّهمْ وَأَشْكَالهمْ مِنْ أَهْل الزَّيْغ وَالضَّلَال , فَإِنَّك إِنْ تُطِعْ أَكْثَر مَنْ فِي الْأَرْض يُضِلُّوك عَنْ دِين اللَّه وَمَحَجَّة الْحَقّ وَالصَّوَاب فَيَصُدُّوك عَنْ ذَلِكَ . وَإِنَّمَا قَالَ اللَّه لِنَبِيِّهِ : { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَر مَنْ فِي الْأَرْض } مِنْ بَنِي آدَم , لِأَنَّهُمْ كَانُوا حِينَئِذٍ كُفَّارًا ضُلَّالًا , فَقَالَ لَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَا تُطِعْهُمْ فِيمَا دَعَوْك إِلَيْهِ , فَإِنَّك إِنْ تُطِعْهُمْ ضَلَلْت ضَلَالهمْ وَكُنْت مِثْلهمْ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَدْعُونَك إِلَى الْهُدَى وَقَدْ أَخْطَئُوهُ . ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ حَال الَّذِينَ نَهَى نَبِيّه عَنْ طَاعَتهمْ فِيمَا دَعَوْهُ إِلَيْهِ فِي أَنْفُسهمْ , فَقَالَ : { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنّ } فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ عَلَى ظَنّ عِنْد أَنْفُسهمْ , وَحُسْبَان عَلَى صِحَّة عَزْم عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأ فِي الْحَقِيقَة . { وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ } يَقُول : مَا هُمْ إِلَّا مُتَخَرِّصُونَ يَظُنُّونَ وَيُوقِعُونَ حَزْرًا لَا يَقِين عِلْم , يُقَال مِنْهُ : خَرَصَ يَخْرُص خَرْصًا وَخِرْصًا : أَيْ كَذَبَ وَتَخَرَّصَ بِظَنٍّ وَتَخَرَّصَ بِكَذِبٍ , وَخَرَصْت النَّخْل أَخْرُصُهُ , وَخَرَصَتْ إِبِلُك : أَصَابَهَا الْبَرْد وَالْجُوع .

{117} إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ رَبّك هُوَ أَعْلَم مَنْ يَضِلّ عَنْ سَبِيله وَهُوَ أَعْلَم بِالْمُهْتَدِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد إِنَّ رَبّك الَّذِي نَهَاك أَنْ تُطِيعَ هَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِاَللَّهِ الْأَوْثَان , لِئَلَّا يُضِلُّوك عَنْ سَبِيله , هُوَ أَعْلَم مِنْك وَمِنْ جَمِيع خَلْقِهِ , أَيّ خَلْقه يُضِلّ عَنْ سَبِيله يُزَخْرِف الْقَوْل الَّذِي يُوحِي الشَّيَاطِين بَعْضهمْ إِلَى بَعْض , فَيَصُدُّوا عَنْ طَاعَته وَاتِّبَاع مَا أَمَرَ بِهِ . { وَهُوَ أَعْلَم بِالْمُهْتَدِينَ } يَقُول : وَهُوَ أَعْلَم أَيْضًا مِنْك وَمِنْهُمْ بِمَنْ كَانَ عَلَى اِسْتِقَامَة وَسَدَاد , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَحَد . يَقُول : وَاتَّبِعْ يَا مُحَمَّد مَا أَمَرْتُك بِهِ , وَانْتَهِ عَمَّا نَهَيْتُك عَنْهُ مِنْ طَاعَة مَنْ نَهَيْتُك عَنْ طَاعَته , فَإِنِّي أَعْلَم بِالْهَادِي وَالْمُضِلّ مِنْ خَلْقِي مِنْك . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَوْضِع " مَنْ " فِي قَوْله : { إِنَّ رَبّك هُوَ أَعْلَم مَنْ يَضِلّ } . فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : مَوْضِعه خَفْض بِنِيَّةِ الْبَاء , قَالَ : وَمَعْنَى الْكَلَام : إِنَّ رَبّك هُوَ أَعْلَم بِمَنْ يَضِلّ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : مَوْضِعه رَفْع , لِأَنَّهُ بِمَعْنَى أَيّ , وَالرَّافِع لَهُ " يَضِلّ " . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ : أَنَّهُ رَفْع بِـ " يَضِلّ " وَهُوَ فِي مَعْنَى أَيّ . وَغَيْر مَعْلُوم فِي كَلَام الْعَرَب اِسْم مَخْفُوض بِغَيْرِ خَافِض فَيَكُون هَذَا لَهُ نَظِيرًا . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ قَوْله : { أَعْلَم } فِي هَذَا الْمَوْضِع بِمَعْنَى " يَعْلَم " , وَاسْتَشْهَدَ لِقِيلِهِ بِبَيْتِ حَاتِم الطَّائِيّ : فَحَالَفَتْ طَيِّئٌ مِنْ دُونِنَا حِلِفًا وَاَللَّه أَعْلَم مَا كُنَّا لَهُمْ خُذُلًا وَبِقَوْلِ الْخَنْسَاء : الْقَوْم أَعْلَم أَنَّ جَفْنَته تَغْدُو غَدَاة الرِّيح أَوْ تَسْرِي وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَائِل هَذَا التَّأْوِيل وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي كَلَام الْعَرَب , فَلَيْسَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { إِنَّ رَبّك هُوَ أَعْلَم مَنْ يَضِلّ عَنْ سَبِيله } مِنْهُ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { وَهُوَ أَعْلَم بِالْمُهْتَدِينَ } فَأَبَانَ بِدُخُولِ الْبَاء فِي " الْمُهْتَدِينَ " أَنَّ أَعْلَم لَيْسَ بِمَعْنَى يَعْلَم , لِأَنَّ ذَلِكَ إِذْ كَانَ بِمَعْنَى يَفْعَل لَمْ يُوصَل بِالْبَاءِ , كَمَا لَا يُقَال هُوَ يَعْلَم بِزَيْدٍ , بِمَعْنَى يَعْلَم زَيْدًا .

{118} فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِآيَاتِهِ , فَكُلُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِمَّا ذَكَّيْتُمْ مِنْ ذَبَائِحكُمْ وَذَبَحْتُمُوهُ الذَّبْح الَّذِي بَيَّنْت لَكُمْ أَنَّهُ تَحِلّ بِهِ الذَّبِيحَة لَكُمْ , وَذَلِكَ مَا ذَبَحَهُ الْمُؤْمِنُونَ بِي مِنْ أَهْل دِينكُمْ دِين الْحَقّ , أَوْ ذَبَحَهُ مَنْ دَانَ بِتَوْحِيدِي مِنْ أَهْل الْكِتَاب , دُون مَا ذَبَحَهُ أَهْل الْأَوْثَان وَمَنْ لَا كِتَاب لَهُ مِنْ الْمَجُوس . { إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ } يَقُول : إِنْ كُنْتُمْ بِحُجَجِ اللَّه الَّتِي أَتَتْكُمْ وَإِعْلَامه بِإِحْلَالِ مَا أَحْلَلْت لَكُمْ ; وَتَحْرِيم مَا حَرَّمْت عَلَيْكُمْ مِنْ الْمَطَاعِم وَالْمَآكِل مُصَدِّقِينَ , وَدَعُوا عَنْكُمْ زُخْرُف مَا تُوحِيه الشَّيَاطِين بَعْضهَا إِلَى بَعْض مِنْ زُخْرُف الْقَوْل لَكُمْ وَتَلْبِيس دِينكُمْ عَلَيْكُمْ غُرُورًا . وَكَانَ عَطَاء يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 10736 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن بَشَّار وَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَا : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : قَوْله : { فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ } قَالَ : يَأْمُر بِذِكْرِ اِسْمه عَلَى الشَّرَاب وَالطَّعَام وَالذَّبْح , وَكُلّ شَيْء يَدُلّ عَلَى ذِكْره يَأْمُر بِهِ .