البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
الصفحة الرئيسة » القرآن الكريم » تفسير ابن كثير
السورة   الآية   الصفحة    
     
 



التين

{1} وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ

سُورَة التِّين : قَالَ مَالِك وَشُعْبَة عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأ فِي سَفَره فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُون فَمَا سَمِعْت أَحَدًا أَحْسَن صَوْتًا أَوْ قِرَاءَة مِنْهُ أَخْرَجَ الْجَمَاعَة فِي كُتُبهمْ . اِخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ هَهُنَا عَلَى أَقْوَال كَثِيرَة فَقِيلَ الْمُرَاد بِالتِّينِ مَسْجِد دِمَشْق وَقِيلَ هِيَ نَفْسهَا وَقِيلَ الْجَبَل الَّذِي عِنْدهَا وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ هُوَ مَسْجِد أَصْحَاب الْكَهْف وَرَوَى الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ مَسْجِد نُوح الَّذِي عَلَى الْجُودِيّ وَقَالَ مُجَاهِد هُوَ تِينُكُمْ هَذَا " وَالزَّيْتُون " قَالَ كَعْب الْأَحْبَار وَقَتَادَة وَابْن زَيْد وَغَيْرهمْ هُوَ مَسْجِد بَيْت الْمَقْدِس وَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة هُوَ هَذَا الزَّيْتُون الَّذِي تَعْصِرُونَ .

{2} وَطُورِ سِينِينَ

قَالَ كَعْب الْأَحْبَار وَغَيْر وَاحِد هُوَ الْجَبَل الَّذِي كَلَّمَ اللَّه عَلَيْهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام .

{3} وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ

يَعْنِي مَكَّة قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَابْن زَيْد وَكَعْب الْأَحْبَار وَلَا خِلَاف فِي ذَلِكَ . وَقَالَ بَعْض الْأَئِمَّة هَذِهِ مَحَالّ ثَلَاثَة بَعَثَ اللَّه فِي كُلّ وَاحِد مِنْهَا نَبِيًّا مُرْسَلًا مِنْ أُولِي الْعَزْم أَصْحَاب الشَّرَائِع الْكِبَار " فَالْأَوَّل " مَحَلَّة التِّين وَالزَّيْتُون وَهِيَ بَيْت الْمَقْدِس الَّتِي بَعَثَ اللَّه فِيهَا عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام " وَالثَّانِي " طُور سِنِينَ وَهُوَ طُور سَيْنَاء الَّذِي كَلَّمَ اللَّه عَلَيْهِ مُوسَى بْن عِمْرَان " وَالثَّالِث " مَكَّة وَهُوَ الْبَلَد الْأَمِين الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ فِيهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا وَفِي آخِر التَّوْرَاة ذِكْر هَذِهِ الْأَمَاكِن الثَّلَاثَة : جَاءَ اللَّه مِنْ طُور سَيْنَاء - يَعْنِي الَّذِي كَلَّمَ اللَّه عَلَيْهِ مُوسَى بْن عِمْرَان - وَأَشْرَقَ مِنْ ساعير - يَعْنِي بَيْت الْمَقْدِس الَّذِي بَعَثَ اللَّه مِنْهُ عِيسَى - وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَال فَارَان - يَعْنِي جِبَال مَكَّة الَّتِي أَرْسَلَ اللَّه مِنْهَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُمْ مُخْبِرًا عَنْهُمْ عَلَى التَّرْتِيب الْوُجُودِيّ بِحَسَبِ تَرْتِيبهمْ الزَّمَان وَلِهَذَا أَقْسَمَ بِالْأَشْرَفِ ثُمَّ الْأَشْرَف مِنْهُ ثُمَّ بِالْأَشْرَفِ مِنْهُمَا .

{4} لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ

هَذَا هُوَ الْمُقْسَم عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسَان فِي أَحْسَن صُورَة وَشَكْل مُنْتَصِب الْقَامَة سَوِيّ الْأَعْضَاء حَسَنهَا .

{5} ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ

أَيْ إِلَى النَّار قَالَهُ مُجَاهِد وَأَبُو الْعَالِيَة وَالْحَسَن وَابْن زَيْد وَغَيْرهمْ ثُمَّ بَعْد هَذَا الْحَسَن وَالنُّضَارَة مَصِيرهمْ إِلَى النَّار إِنْ لَمْ يُطِعْ اللَّه وَيَتَّبِع الرُّسُل . وَقَالَ بَعْضهمْ " ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ " أَيْ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر رُوِيَ هَذَا عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَحَتَّى قَالَ عِكْرِمَة مَنْ جَمَعَ الْقُرْآن لَمْ يُرَدّ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر وَاخْتَارَ ذَلِكَ اِبْن جَرِير وَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمُرَاد لَمَا حَسُنَ اِسْتِثْنَاء الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْهَرَم قَدْ يُصِيب بَعْضهمْ وَإِنَّمَا الْمُرَاد مَا ذَكَرْنَاهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَالْعَصْر إِنَّ الْإِنْسَان لَفِي خُسْر إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات " .

{6} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ

" إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات" فَاسْتَثْنَى مِنْ جِنْس الْإِنْسَان عَنْ الْخُسْرَان الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات بِجَوَارِحِهِمْ " فَلَهُمْ أَجْر غَيْر مَمْنُون " أَيْ غَيْر مَقْطُوع .

{7} فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ

وَقَوْله تَعَالَى " فَمَا يُكَذِّبك" أَيْ يَا اِبْن آدَم " بَعْد بِالدِّينِ " أَيْ بِالْجَزَاءِ فِي الْمَعَاد وَلَقَدْ عَلِمْت الْبُدَاءَة وَعَرَفْت أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْبُدَاءَة فَهُوَ قَادِر عَلَى الرَّجْعَة بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَأَيّ شَيْء يَحْمِلك عَلَى التَّكْذِيب بِالْمَعَادِ وَقَدْ عَرَفْت هَذَا ؟ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سِنَان حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن عَنْ سُفْيَان عَنْ مَنْصُور قَالَ : قُلْت لِمُجَاهِدٍ " فَمَا يُكَذِّبك بَعْد بِالدِّينِ " عَنَى بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مَعَاذ اللَّه عَنَى بِهِ الْإِنْسَان وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَغَيْره .

{8} أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ

أَيْ أَمَا هُوَ أَحْكَم الْحَاكِمِينَ الَّذِي لَا يَجُور وَلَا يَظْلِم أَحَدًا وَمِنْ عَدْله أَنْ يُقِيم الْقِيَامَة فَيَنْتَصِف لِلْمَظْلُومِ فِي الدُّنْيَا مِمَّنْ ظَلَمَهُ . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا" فَإِذَا قَرَأَ أَحَدكُمْ وَالتِّين وَالزَّيْتُون فَأَتَى عَلَى آخِرهَا" أَلَيْسَ اللَّه بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ " فَلْيَقُلْ : بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ " . آخِر تَفْسِير سُورَة التِّين وَالزَّيْتُون وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّةُ .


العلق

{1} اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ

قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق حَدَّثَنَا مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : أَوَّل مَا بُدِئَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّادِقَة فِي النَّوْم فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْل فَلَق الصُّبْح ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاء فَكَانَ يَأْتِي حِرَاء فَيَتَحَنَّث فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّد - اللَّيَالِي ذَوَات الْعَدَد وَيَتَزَوَّد لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِع إِلَى خَدِيجَة فَيَتَزَوَّد لِمِثْلِهَا حَتَّى فَجَأَهُ الْوَحْي وَهُوَ فِي غَار حِرَاء فَجَاءَهُ الْمَلَك فِيهِ فَقَالَ اِقْرَأْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" فَقُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ - قَالَ - فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْد ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اِقْرَأْ فَقُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَغَطَّنِي الثَّانِيَة حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْد ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اِقْرَأْ فَقُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَغَطَّنِي الثَّالِثَة حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْد ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ" اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ - حَتَّى بَلَغَ - مَا لَمْ يَعْلَم " قَالَ فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِره حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَة فَقَالَ " زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي " فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْع فَقَالَ يَا خَدِيجَة " مَا لِي ؟ " وَأَخْبَرَهَا الْخَبَر وَقَالَ " قَدْ خَشِيت عَلَى نَفْسِي " فَقَالَتْ لَهُ كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاَللَّهِ لَا يُخْزِيك اللَّهُ أَبَدًا إِنَّك لَتَصِلُ الرَّحِم وَتَصْدُق الْحَدِيث وَتَحْمِل الْكَلّ وَتَقْرِي الضَّيْف وَتُعِين عَلَى نَوَائِب الْحَقّ ثُمَّ اِنْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَة حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَة بْن نَوْفَل بْن أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى بْن قُصَيّ وَهُوَ اِبْن عَمّ خَدِيجَة أَخِي أَبِيهَا وَكَانَ اِمْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ يَكْتُب الْكِتَاب الْعَرَبِيّ وَكَتَبَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ الْإِنْجِيل مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَكْتُب وَكَانَ شَيْخ كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ خَدِيجَة أَيْ اِبْن عَمّ اِسْمَعْ مِنْ اِبْن أَخِيك فَقَالَ وَرَقَة : اِبْن أَخِي مَا تَرَى ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا رَأَى فَقَالَ وَرَقَة هَذَا النَّامُوس الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُون حَيًّا حِين يُخْرِجك قَوْمك فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ ؟ " فَقَالَ وَرَقَة : نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُل قَطُّ بِمَا جِئْت بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكنِي يَوْمك أَنْصُرك نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَب وَرَقَة أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْي فَتْرَة حَتَّى حَزِنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوس شَوَاهِق الْجِبَال فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَل لِكَيْ يُلْقِي نَفْسه مِنْهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِنَّك رَسُول اللَّه حَقًّا فَيَسْكُن بِذَلِكَ جَأْشه وَتَقِرّ نَفْسه فَيَرْجِع فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَة الْوَحْي غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ الْجَبَل تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيل فَقَالَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ . وَهَذَا الْحَدِيث مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيّ وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيث مِنْ جِهَة سَنَده وَمَتْنه وَمَعَانِيه فِي أَوَّل شَرَحْنَا لِلْبُخَارِيِّ مُسْتَقْصًى فَمَنْ أَرَادَهُ فَهُوَ هُنَاكَ مُحَرَّر وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة , فَأَوَّل شَيْء نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن هَذِهِ الْآيَات الْكَرِيمَات الْمُبَارَكَات وَهُنَّ أَوَّل رَحْمَة رَحِمَ اللَّه بِهَا الْعِبَاد وَأَوَّل نِعْمَة أَنْعَمَ اللَّه بِهَا عَلَيْهِمْ .

{2} خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ

التَّنْبِيه عَلَى خَلْق الْإِنْسَان مِنْ عَلَقَة .

{3} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ

أَنَّ مِنْ كَرَمه تَعَالَى أَنْ عَلَّمَ الْإِنْسَان مَا لَمْ يَعْلَم فَشَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ بِالْعِلْمِ وَهُوَ الْقَدْر الَّذِي اِمْتَازَ بِهِ أَبُو الْبَرِيَّة آدَم عَلَى الْمَلَائِكَة وَالْعِلْم تَارَة يَكُون فِي الْأَذْهَان وَتَارَة يَكُون فِي اللِّسَان وَتَارَة يَكُون فِي الْكِتَابَة بِالْبَنَانِ ذِهْنِيٌّ وَلَفْظِيٌّ وَرَسْمِيٌّ . وَالرَّسْمِيُّ يَسْتَلْزِمهُمَا مِنْ غَيْر عَكْس فَلِهَذَا قَالَ " اِقْرَأْ وَرَبُّك الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ " .

{4} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ

وَفِي الْأَثَر قَيِّدُوا الْعِلْم بِالْكِتَابَةِ وَفِيهِ أَيْضًا مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَم .

{5} عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ

كَرَّمَهُ تَعَالَى أَنْ عَلَّمَ الْإِنْسَان مَا لَمْ يَعْلَم فَشَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ بِالْعِلْمِ وَهُوَ الْقَدْر الَّذِي اِمْتَازَ بِهِ أَبُو الْبَرِيَّة آدَم عَلَى الْمَلَائِكَة وَالْعِلْم تَارَة يَكُون فِي الْأَذْهَان وَتَارَة يَكُون فِي اللِّسَان وَتَارَة يَكُون فِي الْكِتَابَة بِالْبَنَانِ ذِهْنِيٌّ وَلَفْظِيٌّ وَرَسْمِيٌّ . وَالرَّسْمِيّ يَسْتَلْزِمهُمَا مِنْ غَيْر عَكْس فَلِهَذَا قَالَ " اِقْرَأْ وَرَبّك الْأَكْرَم الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَان مَا لَمْ يَعْلَم " وَفِي الْأَثَر قَيِّدُوا الْعِلْم بِالْكِتَابَةِ وَفِيهِ أَيْضًا مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَم .

{6} كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى

يُخْبِر تَعَالَى عَنْ الْإِنْسَان أَنَّهُ ذُو فَرَح وَأَشَر وَبَطَر وَطُغْيَان .

{7} أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى

إِذَا رَأَى نَفْسه قَدْ اِسْتَغْنَى وَكَثُرَ مَاله ثُمَّ تَهَدَّدَهُ وَتَوَعَّدَهُ وَوَعَظَهُ .

{8} إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى

فَقَالَ " إِنَّ إِلَى رَبِّك الرُّجْعَى" أَيْ إِلَى اللَّه الْمَصِير وَالْمَرْجِع وَسَيُحَاسِبُك عَلَى مَالِك مِنْ أَيْنَ جَمَعْته وَفِيمَ صَرَفْته . قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا زَيْد بْن إِسْمَاعِيل الصَّائِغ حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن عَوْن حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْس عَنْ عَوْن قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه : مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ صَاحِب الْعِلْم وَصَاحِب الدُّنْيَا وَلَا يَسْتَوِيَانِ فَأَمَّا صَاحِب الْعِلْم فَيَزْدَاد رِضَا الرَّحْمَن وَأَمَّا صَاحِب الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطُّغْيَان قَالَ ثُمَّ قَرَأَ عَبْد اللَّه" إِنَّ الْإِنْسَان لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنَى " وَقَالَ لِلْآخَرِ" إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ " وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ طَالِب عِلْم وَطَالِب دُنْيَا " .

{9} أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى

نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْل لَعَنَهُ اللَّه تَوَعَّدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّلَاة عِنْد الْبَيْت فَوَعَظَهُ تَعَالَى بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن أَوَّلًا.

{10} عَبْدًا إِذَا صَلَّى

نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْل لَعَنَهُ اللَّه تَوَعَّدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّلَاة عِنْد الْبَيْت فَوَعَظَهُ تَعَالَى بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن أَوَّلًا.

{11} أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى

أَيْ فَمَا ظَنّك إِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي تَنْهَاهُ عَلَى الطَّرِيق الْمُسْتَقِيمَة فِي فِعْله.

{12} أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى

بِقَوْلِهِ وَأَنْتَ تَزْجُرهُ وَتَتَوَعَّدهُ عَلَى صَلَاته .

{14} أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى

وَلِهَذَا قَالَ " أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى " أَيْ أَمَا عَلِمَ هَذَا النَّاهِي لِهَذَا الْمُهْتَدِي أَنَّ اللَّه يَرَاهُ وَيَسْمَع كَلَامه وَسَيُجَازِيهِ عَلَى فِعْله أَتَمّ الْجَزَاء .

{15} كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا وَمُتَهَدِّدًا " كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ" أَيْ لَئِنْ لَمْ يَرْجِع عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ الشِّقَاق وَالْعِنَاد" لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ " أَيْ لَنَسِمَنَّهَا سَوَادًا يَوْم الْقِيَامَة .

{16} نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ

ثُمَّ قَالَ " نَاصِيَة كَاذِبَة خَاطِئَة " يَعْنِي نَاصِيَة أَبِي جَهْل كَاذِبَة فِي مَقَالهَا خَاطِئَة فِي أَفْعَالهَا .

{17} فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ

" فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ " أَيْ قَوْمه وَعَشِيرَته أَيْ لِيَدْعُهُمْ يَسْتَنْصِر بِهِمْ .

{18} سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ

" سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة " وَهُمْ مَلَائِكَة الْعَذَاب حَتَّى يَعْلَم مَنْ يَغْلِب أَحِزْبنَا أَوْ حِزْبه ؟ قَالَ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيّ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْل لَئِنْ رَأَيْت مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْد الْكَعْبَة لَأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقه فَبَلَغَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " لَئِنْ فَعَلَ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَة" ثُمَّ قَالَ تَابَعَهُ عَمْرو بْن خَالِد عَنْ عُبَيْد اللَّه يَعْنِي اِبْن عَمْرو عَنْ عَبْد الْكَرِيم . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي تَفْسِيرهمَا مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق بِهِ وَهَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ زَكَرِيَّا بْن عَدِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَمْرو بِهِ . وَرَوَى أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن جَرِير وَهَذَا لَفْظه مِنْ طَرِيق دَاوُد بْن أَبِي هِنْد عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْد الْمَقَام فَمَرَّ بِهِ أَبُو جَهْل بْن هِشَام فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَلَمْ أَنْهَك عَنْ هَذَا ؟ وَتَوَعَّدَهُ فَأَغْلَظَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْتَهَرَهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّد بِأَيِّ شَيْء تُهَدِّدنِي ؟ أَمَا وَاَللَّه إِنِّي لَأَكْثَر هَذَا الْوَادِي نَادِيًا فَأَنْزَلَ اللَّه " فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة " وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لَأَخَذَتْهُ مَلَائِكَة الْعَذَاب مِنْ سَاعَته وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن صَحِيح . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد أَيْضًا حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن يَزِيد أَبُو يَزِيد حَدَّثَنَا فُرَات عَنْ عَبْد الْكَرِيم عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْل لَئِنْ رَأَيْت رَسُول اللَّه يُصَلِّي عِنْد الْكَعْبَة لَآتِيَنَّهُ حَتَّى أَطَأ عَلَى عُنُقه قَالَ : فَقَالَ " لَوْ فَعَلَ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَة عِيَانًا وَلَوْ أَنَّ الْيَهُود تَمَنَّوْا الْمَوْت لَمَاتُوا وَرَأَوْا مَقَاعِدهمْ مِنْ النَّار وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَجَعُوا لَا يَجِدُونَ مَالًا وَلَا أَهْلًا" . وَقَالَ اِبْن جَرِير أَيْضًا حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن وَاضِح أَخْبَرَنَا يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْوَلِيد بْن الْعَيْزَار عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْل لَئِنْ عَادَ مُحَمَّد يُصَلِّي عِنْد الْمَقَام لَأَقْتُلَنَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك الَّذِي خَلَقَ " حَتَّى بَلَغَ هَذِهِ الْآيَة " لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَة كَاذِبَة خَاطِئَة فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة " فَجَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى فَقِيلَ مَا يَمْنَعك ؟ قَالَ قَدْ اِسْوَدَّ مَا بَيْنِي وَبَيْنه مِنْ الْكَتَائِب قَالَ اِبْن عَبَّاس وَاَللَّه لَوْ تَحَرَّكَ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَة وَالنَّاس يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ . وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا نُعَيْم بْن أَبِي هِنْد عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْل هَلْ يُعَفِّر مُحَمَّد وَجْهه بَيْن أَظْهُركُمْ ؟ قَالُوا نَعَمْ قَالَ : فَقَالَ وَاَللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْته يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَته وَلَأُعَفِّرَنَّ وَجْهه فِي التُّرَاب فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي لِيَطَأ عَلَى رَقَبَته قَالَ فَمَا فَجَأَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُص عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ قَالَ : فَقِيلَ لَهُ مَا لَك ؟ فَقَالَ إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنه خَنْدَقًا مِنْ نَار وَهَوْلًا وَأَجْنِحَة قَالَ : فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَة عُضْوًا عُضْوًا " قَالَ وَأَنْزَلَ اللَّه لَا أَدْرِي فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَمْ لَا" كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَان لَيَطْغَى " إِلَى آخِر السُّورَة وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَمُسْلِم وَالنَّسَائِيّ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان بِهِ .

{19} كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ

وَقَوْله تَعَالَى " كَلَّا لَا تُطِعْهُ " يَعْنِي يَا مُحَمَّد لَا تُطِعْهُ فِيمَا يَنْهَاك عَنْهُ مِنْ الْمُدَاوَمَة عَلَى الْعِبَادَة وَكَثْرَتهَا وَصَلِّ حَيْثُ شِئْت وَلَا تُبَالِهِ فَإِنَّ اللَّه حَافِظُك وَنَاصِرُك وَهُوَ يَعْصِمُك مِنْ النَّاس " وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ " كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ عُمَارَة بْن غَزِيَّة عَنْ سُمَيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ" أَقْرَب مَا يَكُون الْعَبْد مِنْ رَبّه وَهُوَ سَاجِد فَأَكْثِرُوا الدُّعَاء " وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْجُد فِي " إِذَا السَّمَاء اِنْشَقَّتْ" وَ " اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ " . آخِر تَفْسِير سُورَة اِقْرَأْ وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة وَبِهِ التَّوْفِيق وَالْعِصْمَة.